صورة

بصفتي باحثًا في الطب الرياضي، وممارسًا سريريًا، ومتخصصًا في الأداء الرياضي، فقد أمضيت السنوات العشر الماضية في محاولة فهم وتوسيع آفاق كيفية إعداد الرياضيين وتأهيلهم على النحو الأمثل. وقد توصلت إلى استنتاج رئيسي مفاده أن علم الأعصاب والتطور الحديث لتقنيات الأعصاب الرياضية يقدمان الكثير، وقد أثمرا بالفعل عن طرق فعّالة للغاية للارتقاء بالرياضة إلى مستويات أعلى. ومع ذلك، لا يزال التحدي الأكبر أمام نجاحهما هو عدم إدراك أن الدماغ هو المتحكم في كل شيء في الجسم. سأتناول هنا ثلاث نقاط أساسية، وأوضح لماذا يقدم هذا النموذج البسيط الكثير لعالم الرياضة، ثم سأتطرق إلى ما يخبئه المستقبل.

1. الدماغ يتحكم بكل شيء في الجسم

قد يبدو هذا الكلام جريئًا، لكن حقيقة أن الدماغ والجهاز العصبي المركزي يتحكمان بكل شيء في الجسم، هي في الواقع استنتاج بديهي. فالجهاز المناعي، والجهاز العصبي اللاإرادي، وجهاز الغدد الصماء، والأنظمة الحسية بما فيها العمليات الإدراكية كالحس العميق، والحس الحراري، والحس بالألم، كلها تُوجَّه بواسطة شبكة عصبية فائقة الدقة. يحتوي الدماغ وحده على ما بين 75 و125 مليار خلية عصبية، تمتد بدورها لتؤثر على جميع أجزاء الجسم عبر 90 ألف ميل من الأعصاب، التي تتكون هي الأخرى من خلايا عصبية.

إن الجهاز العصبي المركزي والمحيطي أشبه بامتداد للدماغ، كجذور الشجرة. في بعض الحالات، تكون هذه الروابط مباشرة للغاية، فعلى سبيل المثال، تشكل الخلايا العصبية المفردة حزمًا عصبية من الدماغ وصولًا إلى القدمين لضمان سرعة الاستجابة. لذا، عندما تنحني للمس أصابع قدميك، فإن الألم الذي تشعر به هو في الواقع تمدد للخلايا العصبية المفردة التي تمتد على طول جسمك. حتى أثناء نومك، يعمل دماغك بجد لتنظيم جهازك الهضمي.

بما أن الخلايا العصبية وحدات معالجة تعمل بنظام التشغيل والإيقاف، تمامًا مثل الترانزستورات، فإن جسم الإنسان يعمل أساسًا كجهاز كمبيوتر، حيث يعالج المعلومات البيولوجية باستمرار. وبدون هذه العمليات الحسابية العصبية، يتوقف كل شيء. والخلاصة الأساسية هي أنه لفهم العمليات الفيزيائية فهمًا صحيحًا، علينا أن نفهمها من منظور الأنظمة، حيث يُنظَّم كل شيء، بدرجة أو بأخرى، بواسطة الدماغ وأجهزته العصبية.

2. الدماغ عامل حاسم في التنبؤ بخطر الإصابة

تقليديًا، يُفترض أن الإصابات الجسدية غالبًا ما تكون ذات أسباب جسدية، كأن تكون ناجمة عن ضعف في عضلات أو مفاصل معينة لا تستطيع تحمل متطلبات تمارين محددة. ولذلك، ركزت إعادة التأهيل بشكل شبه حصري على تقوية هذه الأنظمة الجسدية لتحسين قدرتها على تحمل هذه المتطلبات. صحيح أن هذا النهج صحيح، ولكنه لا يمثل الصورة الكاملة.

بحث البروفيسور فوبيرت في إمكانية تأثر إصابات الرباط الصليبي الأمامي، التي تحدث عادةً نتيجة ضعف التناسق الحركي، بالحالة الإدراكية للرياضيين. ولتحقيق ذلك، خضع الرياضيون لاختبارات على تسلسلات القفز، وكذلك على نفس التسلسلات أثناء استخدام NeuroTracker لمحاكاة الأعباء الإدراكية للأداء الرياضي الفعلي. وكشف تحليل لوحة القوة وتتبع الحركة أن:

«...تغيرت حركية مفصلي الورك والركبة بشكل ملحوظ أثناء القفز باستخدام NeuroTracker، مقارنةً بالقفز وحده. وعلى وجه التحديد، كان التأثير الأكبر هو تغير زاوية تبعيد الركبة، مما أدى إلى زيادة الضغط على الرباط الصليبي الأمامي لدى 60% من المشاركين. تشير نتائجنا إلى أن بعض الأشخاص أكثر عرضة لهذا النوع من الإصابات من غيرهم. كما تشير إلى أن استخدام NeuroTracker أثناء أداء تمارين قفز معينة قد يكون طريقة فعالة لتحديد هؤلاء الأشخاص.»

كشفت هذه الدراسة، بشكل أساسي، أنه عندما يكون الحمل المعرفي على الدماغ منخفضًا، لا يوجد خطر إصابة بالرباط الصليبي الأمامي لدى المشاركين، ولكن عند إضافة المتطلبات الذهنية المرتبطة بالمنافسة، يصبح الكثيرون عرضة للإصابة. وهذا يُبرز وظائف الدماغ كسبب محدد لخطر الإصابة.

تقدم هذه الدراسة مثالاً جيداً لكيفية استخدام أداة مثل NeuroTracker لمحاكاة الأحمال المعرفية أثناء اللعب، وكطريقة آمنة لتوفير مقاييس موضوعية لتحديد الأفراد المعرضين لخطر الإصابات البدنية. لا يزال تطبيق علم الأعصاب في العلوم الرياضية حديثاً نسبياً، لذا أعتقد أن هذا النوع من الأبحاث ليس سوى غيض من فيض.

في الواقع، هذا المنظور هو الذي يدفع بحثي لنيل درجة الدكتوراه، حيث أقوم بالتحقيق في كيفية أن تكون التأثيرات المتكررة للارتجاجات الدقيقة طويلة المدى الناتجة عن ضرب الكرة بالرأس في كرة القدم سببًا مباشرًا لإصابات الرباط الصليبي الأمامي.

افترض البروفيسور فوبيرت أيضًا أن تدريب NeuroTracker يمكن استخدامه للتخفيف من نقاط الضعف الإدراكية المرتبطة بخطر الإصابة أو التغلب عليها. وهذا مجال من مجالات الطب الرياضي أكرس له ممارساتي العلاجية التأهيلية السريرية.

3. الدماغ عامل حاسم في إعادة التأهيل البدني

أحدث الأبحاث في إصابات الرباط الصليبي الأمامي وجود علاقة وثيقة بين الدماغ والجسم. وكما ذكرنا سابقًا، قد يكون الدماغ هو السبب الرئيسي لإصابة الرباط الصليبي الأمامي. ومع ذلك، فقد وُجد أن إصابات الرباط الصليبي الأمامي، بمجرد حدوثها، تُسبب خللاً في وظائف الدماغ. علاوة على ذلك، من المعروف الآن أن هذه التأثيرات تُؤدي إلى اضطرابات في تناسق الحركة، والتي بدورها تُطيل من آثار الإصابة وتُعيق عملية إعادة التأهيل.

هذا يعني أنه إذا عولجت إصابة الرباط الصليبي الأمامي بالنهج التقليدي الذي يركز فقط على العلاج الطبيعي، فقد تطول فترة إعادة التأهيل بشكل كبير. ولعل هذا يفسر سبب ادعاء أخصائيي الطب الرياضي أن لاعبي الدوري الأمريكي لكرة السلة للمحترفين (NBA) يحتاجون إلى فترة تأهيل مذهلة تتراوح بين 16 و18 شهرًا للوصول إلى الشفاء التام.

أعتقد أنه من الضروري، في حالات إصابات الرباط الصليبي الأمامي وغيرها من الإصابات، أن تتضمن برامج إعادة التأهيل ما أسميه المرونة العصبية . فإلى جانب إعادة التأهيل البدني، نحتاج إلى تحديد نقاط الضعف أو القصور الإدراكي ومعالجتها بشكل مباشر. وقد قدمتُ العديد من العروض التقديمية حول هذا الموضوع لتثقيف مختلف فئات المتخصصين في الطب الرياضي.

أطبّق ما أنصح به. فإلى جانب استخدام NeuroTracker أستخدم مجموعة متنوعة من التقنيات العصبية لتطوير الأنظمة المعرفية للرياضيين بشكل فعّال، حتى لا يتمكنوا فقط من استعادة ذروة أدائهم، بل أيضاً، من منظور السببية، من تقليل مخاطر الإصابة المتكررة - وهي مشكلة كبيرة في الرياضات الاحترافية الحديثة.

إعداد جهاز عرض NeuroTracker ثلاثي الأبعاد في مختبر Fysiotek للعمود الفقري والرياضة في أثينا

إعادة التأهيل وتحسين الأداء يسيران جنباً إلى جنب

ليس من قبيل المصادفة أنني أستخدم نفس التقنيات العصبية التي أستخدمها في إعادة التأهيل، لتحسين الأداء الرياضي للنخبة. على سبيل المثال، أستخدم بروتوكولات تدريب الأداء NeuroTracker لترسيخ القدرات المعرفية العليا لكل رياضي ضمن نطاق ذروة أدائه.

انطلاقًا من البحث ونتائجي الخاصة، أنا مقتنع بأن هذا يُحسّن وعيهم الظرفي، ومهاراتهم في اتخاذ القرارات، وعددًا من العوامل الأخرى الأساسية لتحقيق النجاح في الملعب. في الواقع، أنا بصدد نشر دراسة موسعة حول كرة القدم في اليونان، حيث درّبنا لاعبي دوري أبطال أوروبا على NeuroTracker مرة واحدة أسبوعيًا على مدار موسم كامل، ثم قمنا بقياس أدائهم في المنافسات من خلال تحليل إحصائي دقيق. كانت نتائج الانتقال بعيدة المدى إيجابية للغاية، وأنا متحمس لمشاركة هذا البحث.  

تكمن روعة هذا النهج في حصولي على قياسات موثوقة لحالات الأداء الأمثل للرياضيين، بالإضافة إلى مستويات مرونتهم العصبية التي يقيسها معدل التعلم NeuroTracker . هذا يعني أنه في حال تعرض الرياضي لإصابة، يمكنني تتبع تعافيه وتحديد الوقت الأمثل لعودته إلى مراحل التدريب المختلفة بدقة أكبر، والأهم من ذلك، تحديد الوقت الأمثل لمواكبة متطلبات المنافسة.

يُعدّ هذا الأمر بالغ الأهمية في ثقافة الرياضات شديدة التنافس اليوم، لأنه إذا أُبعد اللاعب عن الملاعب لفترة طويلة، فإن مسيرته الرياضية وأداء فريقه سيتأثران سلبًا. في المقابل، فإن إعادته إلى الملعب مبكرًا جدًا قد يؤدي إلى تراجع أدائه، أو ما هو أسوأ من ذلك، إلى تعرضه لإصابة خطيرة أخرى، قد تُنهي مسيرته الرياضية.

إحدى المزايا الرئيسية لجهاز NeuroTrackerهي ملاءمته للتدريب والتقييم العصبي الفيزيائي المزدوج. فمن خلال دمج متطلبات الأحمال المعرفية القصوى مع متطلبات المهارات الحركية المعقدة، يمكنني اختبار وتدريب أنظمة الأداء المتكاملة للرياضي بكفاءة عالية. وهذا يوفر مصداقية أكبر للتدريب والتقييم في بيئته الطبيعية، كما يسمح لي بتحديد الأنظمة المتضررة واستهدافها لأغراض إعادة التأهيل، أو التغلب على نقاط الضعف المحددة في الأداء العام للاعب.

إن هذه القدرة على تهيئة القدرات ذات الأداء الأمثل، مع جمع مقاييس موضوعية لتوجيه بروتوكولات إعادة التأهيل بشكل مباشر، هي شراكة مثالية.

مستقبل الأداء الرياضي وإعادة التأهيل

كما ذكرتُ في البداية، يتحكم الدماغ والجهاز العصبي المركزي بكل شيء في الجسم. من منظور علم الأعصاب، يُعدّ هذا استنتاجًا بديهيًا، لكن في مجال علوم الرياضة والطب الرياضي، لا يزال هذا المفهوم قيد الفهم تدريجيًا. مع ذلك، يشهد دمج هذه المجالات تطورًا سريعًا، مع نمو الأبحاث بشكلٍ متسارع.

خلال السنوات الخمس إلى العشر القادمة، أتوقع أن تُحدث هذه الأبحاث تغييرات جذرية في أساليب تدريب الرياضيين والأطباء المختصين. ستكون النتائج ثورية، لا سيما في فهم الطبيعة الحقيقية للإصابات الرياضية، بالإضافة إلى أفضل طرق علاجها. في هذا الفيديو، أتحدث عن الدور المحوري الذي لعبه NeuroTracker في تحسين أدائي الرياضي وممارساتي التأهيلية، وكذلك في بحثي لنيل درجة الدكتوراه.

تابعنا

سهم

ابدأ باستخدام NeuroTracker

شكراً لك! لقد تم استلام طلبك!
عذراً! حدث خطأ ما أثناء إرسال النموذج.

مدعوم بالأبحاث

تأثير تتبع الأجسام المتعددة ثلاثية الأبعاد (3D-MOT) على الأداء المعرفي ونشاط الدماغ لدى لاعبي كرة القدم

أهلاً بكم في قسم خدمات الأبحاث والاستراتيجيات في عالم اليوم سريع الخطى.

تابعنا

أخبار ذات صلة

لماذا يستطيع الأطفال الموهوبون المصابون باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه التركيز بعمق على بعض الأشياء، وعدم التركيز إطلاقاً على أشياء أخرى؟

تعرف على سبب قدرة الأطفال المصابين باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه على التركيز بشدة على بعض المهام، لكنهم يواجهون صعوبة في مهام أخرى - وكيفية دعم تنظيم الانتباه بشكل أفضل.

تعليم
X
X